المقريزي
21
المقفى الكبير
جعفر فحمد اللّه وقال [ 297 أ ] : هذا أوّل الفتح إن شاء اللّه . وبات على تحرّس واحتراس . فلمّا كان عند صلاة الفجر من يوم الأحد لأربع خلون منه ، تعبّأ الفريقان واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه يأنس ، وانهزم أصحابه إلى المدينة . فكان أوّل من سبق إليها فتوح بن علي بن عقيانان بن الحسن الكتاميّ « 1 » ، فقال لمن بها : البشرى يا أهل طرابلس ! قد فتح اللّه لنا وقتلنا صنهاجة مقتلة عظيمة ! ففتحوا له الباب . فلمّا دخل وكّل من وقف عليه حتى وصل إليه المنهزمون . وشغل القائد جعفر بن حبيب عن اتّباع المنهزمين بما أصابه من الغنائم ، وبمن قتل من الرجال حتى أفناهم عن آخرهم إلّا من فرّ . وتقدّم إلى طرابلس فوجد القوم قد تحصّنوا ونصبوا العرّادات وجعلوا الرجال على السور . فنزل بالمرج على نحو ميلين عن المدينة ، وكانت بينه وبينهم وقائع كثيرة . وأخذ يجبي بوادي طرابلس وجميع قبائل البربر من هوارة ولماته وزناته وغيرهم وفرّق عمّاله إلى أن بلغه أنّ فلفل بن سعيد « 2 » الثائر على نصير الدولة قد توجّه يريد طرابلس ، فجمع أصحابه ليلقاه ويحاربه فاختلفوا عليه . فرحل بهم في رجب سنة إحدى وتسعين إلى ناحية الجبل « 3 » ، وكان يوما شديد [ 372 أ ] الحرّ ، وكان مع عساكره من الأثقال والعيال والأطفال ما لا يوصف . فاشتدّ بهم العطش حتى مات كثير منهم ، وأسلم بعضهم ولده . وشرب رجل شربة فاستنقد عنها مائة درهم . وطلبت امرأة من زوجها شربة فقال لها : أنت طالق - ومضى عنها ، فسقاها آخر شربة تزوّجها بها . وسار جعفر بمن معه إلى جبال نفوسة ، ولم يدخلها سلطان قبله ، فآواه النفوسيّون . ووصل فلفل بن سعيد إلى المناخ الذي كان به جعفر . فلمّا علم أين قصد تبعه حتّى قرب منه ، فجمع جعفر أصحابه ليقاتله فاختلفوا عليه ، ثمّ أجمعوا على القتال فزحف بهم على تعبئته . فلمّا أحسّ بهم فلفل رحل إلى طرابلس ، فمضى جعفر عائدا إلى المدينة المنصوريّة فوصل إليها يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر رمضان ، ووصل فلفل بن سعيد إلى طرابلس فملكها حتّى مات . ولم يزل جعفر بن حبيب على حاله إلى أن مات بالمنصوريّة يوم السبت لليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعمائة . وكان رجلا حليما عاقلا صبورا فاضلا بعيد الغضب محتملا مفتقدا لأحوال رجاله وحاشيته ، فمن علم به منهم خلّة سدّها مسديا له بذلك من غير سؤال . وكان مقتصدا في أموره غير مبذّر ولا مقتّر ضحوكا مستبشرا أبدا . وولي ابنه هاشم بن جعفر بعده ما كان تولّاه من كتابة نصير الدولة أبي مناد باديس . 1069 - جعفر بن الحسين بن جوهر القائد [ - 401 ] [ 373 أ ] أبو [ . . . ] ، ابن قائد القوّاد أبي عبد اللّه ابن القائد أبي الحسين جدّه جوهر ، [ و ] هو الذي أخذ مصر وبنى القاهرة . وتقدّم أبوه الحسين في أيّام الحاكم بأمر اللّه تقدّما زائدا ثمّ قتله كما تقدّم
--> ( 1 ) في الاتّعاظ 2 / 34 : ابن عقبان ، وفي رسالة إدريس 1 / 101 : غفيانان ، ويجيء اسم علي بن عقيانان في ترجمة جوهر . ( 2 ) فلفل بن سعيد بن خزرون الزناتيّ ، وفي الاتّعاظ 2 / 51 : فلفول . ( 3 ) أي : جبل نفوسة .